المرأة والموت: تأملات أنثوية في الفناء
المرأة والموت: تأملات أنثوية في الفناء هي طرح فلسفي يهدف بالدرجة الأولى إلى تجاوز المفهوم المادي والتفاعلات البيولوجية المحددة للعلاقة بين الطرفين، من خلال تسليط الضوء على بصمات نسائية فعالة ساهمت في إثراء الوجود البشري من حيث الأفكار والوقائع والأحداث، بما أكسبها القدرة على تجاوز الحدود الزمنية لتكون منارة تضئ الطريق للأجيال القادمة.
شكل الموت على مدار التاريخ عقدة حقيقية على المستوى الطبي والكيميائي وحتى الفلسفي، وقد ساهمت محاولات فهمه في تطوير القدرات الطبيعة وإثراء المعرفة البشرية بقصص أدبية ملحمية، لكن الأثر البالغ هو في إنتاج مفهوم فلسفي خاص معني بالوجودية والقيمة البشرية من الأساس.
المرأة والموت: تأملات أنثوية في الفناء
الوجود والماهية في الفكر الوجودي النسائي يركز على قيمة المرأة كجزء أصيل من نسيج المجتمع، وذلك من حيث قيمة الفرد والحقوق والواجبات والحريات، بما ينقلها من خانة العنصر التابع إلى الفرد المشارك بقوة في تغيير دفة الأحداث والتاريخ.
من أشهر الفلاسفة الوجوديين النساء التي تخطت أفكارها حاجز الزمن وساهمت في تحسين اوضاع حقوق المرأة هي سيمون دي بوفوار (Simone de Beauvoir)، وقد أتت أبرز أفكارها على النحو التالي:
الإنسان لا يولد بصفات جوهرية، بل يصنع ذاته عبر الاختيار.
اضطهاد المرأة ليس قدر بيولوجي بل بناء اجتماعي/تاريخي.
الوجود الإنساني قائم على “الغموض” بين الحرية والواقع المفروض.
هذه الأفكار تركز على إقرار قيمة الذات عبر الاختيار، بما يهدم فكرة التفوق الطبيعي ويمنح حق العمل والكفاح وحتى السلطة لكافة الأفراد "رجال ونساء"، ويعزز ذلك من قيمة إدراك الفرد للحياة من حيث المعنى والقيمة والمشاركة الفعالة في المجتمع.
ملحمة الحب والحياة والموت في الحضارة المصرية القديمة
التطرق إلى المرأة والموت: تأملات أنثوية في الفناء يقضي بنا إلى النظر إلى واحد من أقدم القصص الملحمية في التاريخ التي تحدث فيها المرأة الموت والفناء بالحب والحكمة، حيث برز دور المرأة كقوة فاعلة في حفظ النظام الكوني.
في ملحمة أيزيس وأوزوريس برزت المرأة كباحثة وحامية وساحرة وصانعة للحياة، بما تمثله من وفاء وعقل، وإرادة، حيث استطاعت تخليص مصر من الفوضى والعنف، وإرساء النظام والشرعية، هذا المنظور الميثولوجي يؤكد دور المرأة في تجاوز فكرة الموت على المستوى التقليدي "خروج الروح" وحتى على مستوى الأحداث كخط فاصل بين الفعل والتأثير.
النظر بشكل ثاقب إلى القصة لا يبرز الحب والوفاء وحسب وإنما يؤكد على صفة المرأة كباعث للحياة، فضلا عن دورها القيادي في تربية الكوادر المؤهلة لضبط الأحوال العامة، وذلك من خلال سعيها الحثيث على تضمين مفاهيم الحق والعدالة والقوة والحرية في نظام التربية بما يضمن إنتاج أفراد لها القدرة على ترك بصمة تاريخية تتجاوز فكرة المحدودية الموت.
من أجل الجزائر
لا يمكن إثارة مبدأ المرأة والموت: تأملات أنثوية في الفناء دون النظر إلى التضحيات النسائية في الدفاع عن الوطن ضد المحتل، حيث ساهم العنصر النسائي على مدار التاريخ في دحر المعتدي والحفاظ على القومية وحق الحياة وتقرير المصير، قد برزت بعض هذه التضحيات بشكل مدوي بما تجاوز الحدود الزمنية والجغرافية لتكون بصمة خالدة عبر التاريخ.
جميلة بوحيرد سيدة جزائرية انضمت إلى جبهة التحرير الوطني لتدافع عن حق وطنها في الحياة وحق أفراده في تقرير المصير، وخلال عملها الفدائي تعرضت إلى إصابة مكنة العدو من القبض عليها، وإخضاعها لاحقا لعمليات استجواب قاسية، لكنها أبت إلا أن تكون أيقونة وطنية للجزائر، مفضلة الموت على الخيانة.
هذه التضحية الثورية التي لا تنظر إلى الموت باعتباره خط بين الحياة والفناء، بل تنظر إليه كقربان وحق وواجب من أجل أن يحيا الآخرون حياة كريمة، مرفوعين الرأس والهامة، فإنها حين أثرت وطنها على روحها، إنما أرثت نفسها كقدوة وأيقونة زمنية خالدة تجاوزت مفهوم البشر التقليدي للزمن والموت والحياة.
مؤسسة التمريض الحديث
في عالم لا تكاد تنقطع فيه الصراعات العسكرية بين الدول، برز دور الممرضات في تضميد جراح المقاتلين وخفض درجة المعاناة والألم من الحروب، ومن خلال النظر إلى المرأة والموت: تأملات أنثوية في الفناء، لا يمكن تجاهل دور فلورنس نايتنجيل Florence Nightingal، التي ساهمت بشكل فعال في تحسين الصحة العامة وتقليل حالات الوفاة.
خلال حرب القرم ساهمت فلورنس في تخفيض معدل الوفيات من 42% إلى أقل من 2% عبر تطبيق قواعد النظافة وتنظيم الغذاء والعلاج، وبعد انتهاء الحرب عملت على استخدام الإحصاء والتحليل البياني لفهم الأمراض والوفيات، كما أنها أول من استخدم الرسوم البيانية الدائرية (Pie Charts) لتوضيح بيانات صحة السكان، إضافة إلى ذلك ساهمت في تطوير السياسات الصحية في بريطانيا والمستعمرات، وأكدت على الوقاية أساس للطب وليس العلاج فقط.
نايتنجيل من السيدات التي تحدت عقبة الموت من منظور الرحمة والعناية فبدلا من فقد الأرواح نتيجة قواعد تمريض طبية خاطئة، فإنها ومن خلال إرثها الغني ساهمت في حماية آلاف الأرواح، ما عزز من مكانتها كأيقونة بشرية خالدة تخطت حدود الزمن.
تماضر بنت عمرو "الخنساء"
لم يكتف الشعر العربي بالفخر والعصبية للقبيلة فحسب، بل ركن في معظم أبياته إلى البكاء على الأطلال، في معان تتناول الفقد والترحال والفراق، هذه الآلام حرص العرب على تصويرها بأدق الصور الشعرية لتكون بصمة واقعية تعكس مقومات حضارتهم عبر القرون.
لا يمكن تناول المرأة والموت: تأملات أنثوية في الفناء، دون النظر إلى أثره في الشعر العربي على النساء، ومن أبرزهم الخنساء، التي خلدت بأبياتها وتصويرها الدقيق أسمى المعاني البشرية التي تجاوزت حدود الزمن ومفهوم الموت التقليدي.
يا دارَ صخري أينَ كنتِ يومَ فراقه *** وقد تركتني وحيدةً على الأطلال
ساهمت الخنساء في بلوزة مكانة المرأة في المجتمع العربي والثقافة الشرقية، كشاعرة شكلت مرجعية في الشعر العربي القديم، ومن خلال النظر إلى منتجها الثقافي نجد أنها قارعت الرجال في التعبير والتصوير والوصف، ما أكسبها مكانة خاصة في الشعر العربي سواء في زمنها على مدار التاريخ.
نسيج واحد ومهام متكاملة
لا تركز مدونة المرأة من خلال تناولها المرأة والموت: تأملات أنثوية في الفناء، على إبراز مكانة العنصر النسائي وإقراره، وإنما هدفت من خلال الأمثلة المختلفة إلى تضمين مفاهيم المساواة والكفاءة والقدرة على الأداء والإنتاج بما يساهم في تعزيز الإرث البشري وبناء صورة الحضارة بمفهومها الدقيق القائم على التناغم بين الجنسين.
هدفت الفكرة إلى أن الإقرار بالتفوق ليس مضمونا بالحق الإلهي أو بالطبيعة البيولوجية، وإنما هو مضمونا بالعمل والإنتاج والمشاركة الفعالة وحتى التضحية والفداء في سبيل القضية والوطن والحياة الكريمة.
على النساء ان تفهم ان المناداة بالحقوق لا تهدف إلى ترسيخ المكانة من باب الأفضلية المطلقة، لكنها مناداة تهدف إلى التمكين المتساوي من الفرص بقدر التأهيل والإمكانيات، بمعنى حق، حق المنافسة وعدم المنع.
المرأة والموت: تأملات أنثوية في الفناء هو طرح يهدف بالدرجة الأولى إلى إبراز دور المرأة في الإنتاج الثقافي والفلسفي والتاريخي، بما يمنحنا فرصة أفضل للتناغم والتفاعل وتحقيق سبيل مشترك تعلو فيهم قيم الإنسانية والمجتمع فوق الأجندات الجندرية المتواضعة.

